ولكن يظهر أن بعض علمائنا وكذا علماء أهل السنة الذين ذكروه في...
وكذلك الآمدي من علماء السنة في (الأحكام) قال: ((قال عليه السلام حكاية عن ربه: كنت كنزاً لم أعرف، فخلقت خلقاً لأعرف به)). وممن ذكره أيضاً من علمائنا المتأخرين: الشيخ محمد حسين الأصفهاني في (نهاية الدراية)، والعلامة الأميني في (الغدير)، والميزا حسين النوري في (نفس الرحمن)، وغيرهم. ومن علماء العامة الآلوسي في تفسيره، وحاجي خليفه في (كشف الظنون). وأنكره بعض العلماء من الطرفين، وعدة السيد المرعشي في (احقاق الحق6: 431) من الموضوعات.
اما بالنسبة إلى دلالة الحديث فلابد من ذكر أمور ثلاثة: الأمر الأول: إن الفاعل الكامل لا يحتاج في فعله إلى الغاية، بل غايته مقتضى كماله، فمثلاً الكريم بطبعه عندما يصدر منه الكرم فإنه لا يصدر منه لغاية؛ حيث إن كرمه ذاتي له فلا يحتاج في إبراز كرمه إلى غاية، بل غايته هي مقتضى كرمه، أي أن مقتضى كرمه أن يُكرم، لا أن له غاية وراء إكرامه، وكذلك الأم التي تحن على طفلها فإن إبراز الحنان على الطفل لا لغاية أو حاجة عندها في إبرازه، بل ظهور حنانها هو مقتضى أمومتها، ولذلك يقال: «الفاعل الكامل لا يستكمل بغايته» ومعنى ذلك أنه لا يحتاج إلى الغاية وإنما غاية فعله هي مقتضى كماله، وهذا ما ينطلق على الباري سبحانه وتعالى، فالله تبارك وتعالى لمّا كان جواداً فيّاضاً كان مقتضى كماله ظهورُ جوده وفيضه، لا أن له غاية وراء فيضه وجوده، بل ذلك هو مقتضى كمال ذاته فإن من الكمال ظهور الكمال؛ حيث إن ظهور الكمال صورة من صور الكمال، ولذلك مقتضى كماله تبارك وتعالى ظهور جوده وفيضه وعطائه لا لحاجة منه وراء ذلك.
الأمر الثاني: إن التعبير بـ«أحببت» غير التعبير بـ «احتجت»، والحديث لم يقل «كنت كنزاً مخفياً فاحتجت أن أعرف»، بل قال «كنتُ كنزاً مخفياً فأحببتُ أن أعرف»، ومن الواضح أن الحب نوع من التفضل، ونوع من الامتنان، وليس لوناً من ألوان الحاجة، كما يقول الأب أحببتُ ولدي فأعطيته كذا، وتقول الأم أحببتُ ولدي فوهبته كذا، فإن الحب نوع من الإحسان والامتنان وليس نوعاً من الحاجة.