وقبل بعثته صلّى اللّه عليه وآله كان يعمل في تجارتها إلى الشام ...
وقبل بعثته صلّى اللّه عليه وآله كان يعمل في تجارتها إلى الشام ، ثم اختارته لنفسها لما كان عليه صلّى اللّه عليه وآله من كمال الصفات وصفات الكمال . فتزوّجها في سنة 28 قبل الهجرة أعني قبل بعثته بخمس عشرة سنة . وماتت خديجة بمكة رضي اللّه عنها قبل الهجرة بأربع سنين وهي في الرابعة والستين من عمرها .
وهذه الدار قد ارتفع عنها الطريق أيضا ، فينزل إليها بجملة درجات توصل إلى طرقة ، على يسارها شبه مصطبة مرتفعة عن الأرض بنحو ثلاثين سنتيمترا ومسطحها نحو عشرة أمتار طولا في أربعة عرضا وفيها كتاب يقرأ فيه الصبيان القرآن الشريف ، وعلى يمينها باب صغير يصعد إليه بدرجتين يدخل منه إلى طرقة ضيقة عرضها نحو مترين وفيها ثلاثة أبواب : الذي على اليسار لغرفة صغيرة يبلغ مسطحها ثلاثة أمتار طولا في أقل منها عرضا .
وهذا المكان كان معدا لعبادته صلّى اللّه عليه وآله ، وفيه كان ينزل الوحي عليه ، وعلى يمين الداخل إليه مكان منخفض عن الأرض يقولون أنه كان محل وضوئه عليه الصلاة والسلام . والباب الذي في قبالة الداخل إلى الطرقة يفتح على مكان واسع يبلغ طوله نحو ستة أمطار في عرض أربعة ، وهو المكان الذي كان يسكنه صلّى اللّه عليه وآله مع زوجته خديجة رضى اللّه عنها .
أما الباب الذي على اليمين فهو لغرفة مستطيلة عرضها نحو أربعة أمتار في طول نحو سبعة أمتار ونصف ، وفي وسطها مقصورة صغيرة أقيمت على المكان الذي ولدت فيه السيدة فاطمة رضي اللّه عنها ، وفي جدار هذه الغرفة الشرقي رفّ موضوع عليه قطعة من رحى قديمة يقولون : إنها من رحى السيدة فاطمة التي كانت تستعملها في حياتها . وعلى طول هذا المسكن والطرقة الخارجة والمصطبة من جهة الشمال فضاء مرتفع بنحو متر ونصف يبلغ طوله نحو ستة عشر مترا وعرضه نحو سبعة أمتار ، وأظن أنه المكان الذي كانت السيدة خديجة تخزن فيه تجارتها .
وهذه الدار التي كانت مقرا له صلّى اللّه عليه وآله ومحل إقامته في مكة ومبعثه إلى الخلق كافة إذا نعمت بها نظرك وأمعنت فيها فكرك لا تراها إلا البساطة بنفسها : دار تحتوي على أربع غرف ، ثلاث داخلية ، منها واحدة لبناته ، وثانية له ولزوجه ، وثالثة له ولربه ، والرابعة بمعزل عنها له ولعموم الناس . . . الخ . ولما هاجر صلّى اللّه عليه وآله إلى المدينة استولى على هذه الدار عقيل بن أبي طالب . ثم اشتراها منه معاوية بن أبي سفيان فجعلها مسجدا .
وعمّرت في زمن الناصر العباسي ، وقد وضع في حائط الطرقة الخارجية على يسار الداخل لوح من الرخام مكتوب عليه بالحروف البارزة : « بسم اللّه الرحمن الرحيم ، أمر بعمارة مربد مولد الزهراء البتول فاطمة سيدة نساء العالمين بنت الرسول محمد المصطفى المختار صلّى اللّه عليه وآله . . . » الخ . ثم عمّرها بعد ذلك الأشرف شعبان ملك مصر ثم الملك المظفر صاحب اليمن ، ثم السلطان سليمان سنة 935 ه . الرحلة الحجارية للبتنوني : ص 53 .