فلما وضعت فاطمة عليها السّلام وقعت ساجدة نحو القبلة رافعة...
وكانت فاطمة عليها السّلام تحدثها في بطنها وتؤنسها في وحدتها ، وكانت يهتف بها الهاتف وخديجة تكلم ذلك على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله . فدخل يوما فسمع خديجة تحدث فاطمة عليها السّلام فقال : يا خديجة ، من تحدثين ؟ قالت : إن الجنين الذي في بطني يحدثني . فقال : يا خديجة ، فإنها أنثى وإنها النسلة الطاهرة والميمونة المباركة ، وإن اللّه تعالى سيجعل نسلي وسيجعل نسلها أئمة وخلفاء في أرضه عند انقضاء وحيه . وكانت خديجة لما تزوّجت بالنبي صلّى اللّه عليه وآله هجرها نساء أهل مكة وصرن لا يكلّمنها ولا يتركن أحدا يدخل عليها . فلما قرب وضعها بفاطمة الزهراء عليها السّلام أرسلت إلى نساء أهل مكة أن تعالين لتلين مني ما يلي النساء من النساء فأرسلن إليها : « عصيتنا ولم تقبلي قولنا وتزوّجت يتيم أبي طالب فقير لا مال له ؛ فلسنا نأتيك ولا نلي من أمرك شيئا » . فاغتمّت خديجة لذلك غما شديدا . فبينما هي كذلك إذ دخل عليها أربع نسوة سمر طوال كأنهن من نساء بني هاشم ففزعت منهن ، فقالت إحداهن : « يا خديجة ، لا تفزعي ، فإنا رسل ربك ، أنا آسية بنت مزاحم وهذه صفية بنت شعيب
« 1 » وهذه سارة زوجة إبراهيم الخليل وهذه مريم ابنة عمران ، بعثنا اللّه إليك لنلي منك ما تلي النساء من النساء » . ثم جلسن حولها ، فوضعت فاطمة طاهرة مطهرة . قال ابن عباس : لما سقطت فاطمة عليها السّلام إلى الأرض أزهرت الأرض بها وأشرقت الفلوات وأنارت الجبال والتلعات وهبطت الملائكة ونشرت أجنحتها في المشرق والمغرب وضربت عليها سرادقا وحجبتها واكتنفها وغشي أهل مكة نورها ودخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فقال : « يا خديجة ، إن كان هجرتك نساء أهل مكة فلينزل اليوم عندك نسوة عطرات يفوح منهن ما يسكر أهل مكة » . فسلّمت على الجواري فأحسن تحيتها ثم وليت كل واحدة منها شيئا من غسلها وحملها في الطشت الذي كان معهن وتنشيفها بالمنديل وتحليقها وتقميطها .