فلما كان في اليوم الثاني جئ بها فقال (صلى الله عليه وآله)...
فلما كان في اليوم الثاني جئ بها فقال (صلى الله عليه وآله): أليس هؤلاء أكلوا ـ ذلك ـ السم بحضرتك؟ فكيف رأيت دفع الله عن نبيه وصحابته؟ فقالت: يا رسول الله كنت إلى الآن في نبوتك شاكة، والآن فقد أيقنت أنك رسول الله (صلى الله عليه وآله) حقا، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك عبده ورسوله ـ حقا ـ وحسن إسلامها. ولقد جاء رجل يوما إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) برجل يزعم أنه قاتل أبيه فاعترف، فأوجب عليه القصاص، وسأله أن يعفو عنه ليعظم الله ثوابه، فكأن نفسه لم تطب بذلك.
فقال علي بن الحسين (عليه السلام) للمدعي ولي الدم المستحق للقصاص: إن كنت تذكر لهذا الرجل عليك حقا فهب له هذه الجناية، واغفر له هذا الذنب. قال: يابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) له علي حق ولكن لم يبلغ ـ به ـ أن أعفو له عن قتل والدي. قال: فتريد ماذا؟ قال: أريد القود فان أراد لحقه علي أن أصالحه على الدية صالحته وعفوت عنه. قال علي بن الحسين (عليهما السلام): فماذا حقه عليك؟ قال: يابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لقنني توحيد الله ونبوة رسول الله، وإمامة علي بن أبي طالب والائمة (عليهم السلام).
فقال علي بن الحسين (عليهما السلام): فهذا لا يفى بدم أبيك؟! بلى والله، هذا يفي بدماء أهل الارض كلهم من الاولين والآخرين سوى ـ الانبياء و ـ الائمة (عليهم السلام) إن قتلوا فانه لا يفي بدمائهم شئ، أو تقنع منه بالدية؟ قال: بلى. قال علي بن الحسين (عليه السلام) للقاتل: أفتجعل لي ثواب تلقينك له حتى أبذل لك الدية فتنجو بها من القتل؟ قال يابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنا محتاج إليها، وأنت مستغن عنها فان ذنوبي عظيمة، وذنبي إلى هذا المقتول أيضا بيني وبينه، ولا بيني وبين وليه هذا.
قال على بن الحسين (عليهما السلام): فتستسلم للقتل أحب إليك من نزولك عن ثواب هذا التلقين؟ قال: بلى يابن رسول الله. فقال على بن الحسين (عليه السلام) لولي المقتول: يا عبدالله قابل بين ذنبه هذا إليك، وبين تطوله عليك، قتل أباك فحرمه لذة الدنيا، وحرمك التمتع به فيها، على أنك إن صبرت وسلمت فرفيق أبيك في الجنان، ولقنك إلايمان فأوجب لك به جنة الله الدائمة، وأنقذك من عذابه الدائم، فاحسانه إليك أضعاف ـ أضعاف ـ جنايته عليك فاما أن تعفو عنه جزاءا على إحسانه إليك؟!
لاحدثكما بحديث من فضل رسول الله (صلى الله عليه وآله) خير لكما من الدنيا بما فيها، وإما أن تأبى أن تعفو عنه حتى أبذل لك الدية لتصالحه عليها، ثم أحدثه بالحديث دونك، ولما يفوتك من ذلك الحديث خير من الدنيا بما فيها لو اعتبرت به. فقال الفتى: يابن رسول الله: قد عفوت عنه بلا دية، ولا شئ إلا ابتغاء وجه الله ولمسألتك في أمره، فحدثنا يابن رسول الله بالحديث.